حوار بين المعرفة والأخبار.. الدروس المستفادة من الممارسات الاعلامية خلال عام 2017

دائما ما يثور جدل بين ممارسي العلاقات العامة والصحفيين بشأن دور المعرفة والأخبار في صنع منظومة الاعلام ككل. ويمثل البحث عن المعرفة وخلقها نظام أكثر عمقاً من خلق وتتبع الأخبار، وإذا ما ضاقت الفجوة بين الجانب المعرفي ودور الأخبار، تنعم التجربة الاعلامية بوضع أكثر ثباتا واستقراراً ويكون لها عظيم الأثر في نفس الجمهور المتلقي.  وتمثل الأسئلة التالية نموذجا لحوار صحفي تخيلي أجراه أحد ممثلي وسائل الاعلام مع مسئول علاقات عامة لإلقاء الضوء بشكل أكبر على التحديات التي واجهت ممارسات العلاقات العامة خلال عام 2017

وفي هذا السياق أميل إلى أن أرمز إلى مسئول العلاقات العامة باعتباره موفراً لخدمات المعرفة لكنني قمت بوضع ضوابط معينة لكي يصل مسئول العلاقات العامة لهذه المرحلة، وفى الوقت نفسه لا يمثل الوصف الذي قدمته للصحفي على أساس أنه رجل اخبار نقدا أو انتقاصاً من قدره فهناك من الصحفيين من استطاع أن يقدم نموذجاً معرفيا يحتذى به لكن نموذج الأخبار هو النمط الأكثر شيوعا بين أوساط الصحفيين وممثلي وسائل الاعلام

الصحفي: ما هي الأسس التي ترتكز عليها عملية صنع الأجندة الاعلامية؟

مسئول العلاقات العامة: ترتكز عملية خلق الأجندة الاعلامية في معظم الأحيان على ادارة الموضوعات عن طريق ادارة مخرجات النظم وهي النظرية الادارية الأكثر شيوعا والتي تتعامل مع النظام ككل باعتباره مجموعة من الوحدات المتداخلة التي تتسم بالثبات بمضي الوقت داخل حدود مستقرة عن طريق الاستجابة والتكيف مع ضغوط التغيير من البيئة لتحقيق الأهداف المحددة

الصحفي: هل هناك تحديات ترتبط بالاعتماد على هذا النموذج؟

مسئول العلاقات العامة: يتجاهل هذا الاتجاه دور الازمات الطارئة في تدمير أجزاء هذا النظام أو النظام ككل لأنه تعامل مع الضغوط على اعتبار أنها مجرد حدث طارئ في الوقت الذي يمكن أن تكون فيه تأثيرات هذه الضغوط كـ” كرة الثلج” التي لو وصلت تأثيراتها إلى الذروة فإننا نكون بصدد الحديث عن أزمة حقيقية

GettyImages-456580705-599f3436d963ac00112f3354الصحفي: هل هناك من يعتمد على نماذج أخري؟ وما هي الانتقادات الموجهة لها؟

مسئول العلاقات العامة: النمط السائد في معظم الممارسات هو الاتصال الخطى ذي الاتجاه الواحد والتي على الرغم من أهميتها فإنها لا تستوعب تأثيرات ردود أفعال الجمهور على اداء المنظمة، وحتى لو كان هناك ردود فعل من الجمهور فإن ممارس العلاقات العامة يعمد إلى التركيز على الجوانب الايجابية وتجاهل السلبي منها أو لا يكلف نفسه عناء البحث فيها على الرغم من أنها قد تكون سببا في خلق نمط جديد من أنشطة الاتصال التي لا تنحصر في مجرد الردود على وسائل الاعلام

الصحفي: ما هي الأسباب التي تجعل عملية الاتصال تفقد مضمونها؟

مسئول العلاقات العامة: الاتصال دون أجندة واضحة تجعله مجرد نشاط معلوماتي أكثر منه نشاطا اعلامياً. والأجندة الاعلامية المقصودة هنا هي المظلة التي تدار بها العلاقات بين الموضوعات، والنظم، ووسائل الاعلام، والجمهور، والتشريعات، والتقنية. ولن يتحقق ذلك الا بمزيد من المزج بين بحوث الاعلام والادارة والبحوث الاجتماعية والنفسية والتقنية وغيرها من الأنشطة البحثية التي تساعد على اكتشاف السبل المثلى لصياغة رسائل أكثر وضوحا وشمولا وتأثيراُ.

وما يحكم العلاقات بين أجزاء هذه المنظومة هو حدود تأثير ممارسي العلاقات العامة على السياسة العامة للمؤسسة التي يعمل بها على كافة الأصعدة. ولن يتحقق هذا الدور الا من خلال خلفية معرفية راقية لا تعتمد على النقل فقط وإنما تسمح لممارسي العلاقات العامة بأن يكون لهم رؤية مغايرة تكسر جمود القواعد التقليدية عند ادارة أنشطة العلاقات الاعلامية وانتاج المحتوى

الصحفي: كيف يمكن قياس الدور الاستراتيجي للعلاقات العامة؟

مسئول العلاقات العامة: إن الدور الاستراتيجي للعلاقات العامة لا يقاس على الاستراتيجية الموضوعة للمنظمة أو حتى للقطاع الذي تعمل به، وانما بإمكانية توظيف معالم هذه الاستراتيجية في تثبيت التجربة المعرفية لدى الجمهور وبالتالي تحقق عملية التوعية المستهدفة أثرها المنشود

 

الصحفي: في عصر التكنولوجيا كيف صياغة أجندة اعلامية تسهم في دعم عمليات التسويق وخاصة للمنتجات التقنية فائقة التطور؟

مسئول العلاقات العامة: تتحكم التكنولوجيا ونماذج الأعمال في عملية خلق الأجندة الاعلامية أكثر من أي وقت مضى وخاصة إذا ما كنا نقوم بالترويج لمنتجات تقنية فائقة التطور ونتوجه بها إلى مستوى معين العملاء الذين لن يمكنهم استيعاب الطفرة التي تنشأ عن استخدام هذه التقنيات بسهولة، وعندئذ يبرز دور التوظيف الصحيح لبحوث الاعلام ونظريات الاتصال الإقناعي

الصحفي: هل للابتكار دور في عملية صنع الأجندة الاعلامية وصياغتها؟

مسئول العلاقات العامة: بالطبع، يتحكم الابتكار في هذه العملية. ورغم عدم وجود تعريف واحد لمفهوم الابتكار باختلاف التركيبة الذهنية للأفراد والجماعات غير أنه يمكن تعريفه بأنه امكانية دمج العناصر السابقة مجتمعة في الاستراتيجية الشاملة للعلاقات العامة وتطبيقها على أرض الواقع من خلال خطط يكون لها نتائج ملموسة ويمكن للجمهور المتلقي أن يتقبلها بسهولة

الصحفي: كيف يمكن للمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وممثلي وسائل الاعلام استعادة مصداقيتهم المفقودة؟

مسئول العلاقات العامة: يجيب تقرير “الممارسة الاعلامية لعام 2017” الذي أصدرته شركة “سيسيون” الشركات الرائدة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والتحليلات الإعلامية على هذا السؤال عقب استطلاع سنوي أجرته على أكثر من 1550 من الصحفيين والمؤثرين في أمريكا الشمالية وكشف عن أن معظم تقارير ثقة المستهلكين تشير إلى أن الجمهور يثق بشكل أكبر في الأخبار التي تنشرها وسائل الاعلام التي تختار تبنى قضايا المؤسسات طواعية “المواقع الشخصية والمدونات في معظمها” عنها من وسائل الاعلام المدفوعة أو حتى تلك التي تمتلكها المنظمات

وأوضح التقرير أن الثقة في وسائل الاعلام تآكلت بسبب الانتخابات الرئاسية الامريكية وعوامل أخرى، وذلك على الرغم التدفقات الاخبارية الهائلة التي قدمها الصحفيون والمؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي الذين غطوا هذا الحدث وغيره. وتشير نتائج استطلاع هذا العام إلى أن الصحفيين والناشرين وإعلام العلامة التجارية بحاجة إلى الاستمرار في تقديم محتوى ذي صلة وموثوق ودقيق للجمهور من أجل الحفاظ على ثقة المستهلك وإعادة بنائها

الصحفي: لماذا تفشل وسائل الاعلام بشكل دائم في خلق أجندتها الخاصة؟

مسئول العلاقات العامة: هناك العديد من الأسباب الموجودة بالفعل ولكن زاد عليها عدد أخر من الأسباب التي أدت إلى تردى مصداقية وسائل الاعلام بشكل أكبر لدى الجمهور مثل تبنى وسائل الاعلام لأجندات سياسية لا تحظى بقبول الجمهور، وتحكم رأس المال والاعتماد على الاعلان في صياغة الرسائل الاعلامية وادارة النقاشات، واثارة الموضوعات بشكل استفزازي على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال عناوين رنانة مفرغة من المضمون لمجرد جذب انتباه القراء

أضف إلى ذلك تكرار نفس الموضوعات واعادة تدوير بعضها بشكل ممل مما جعل موفر المحتوى الاعلامي مجرد بوق يدافع عن مصالح منظمته بشكل أعمى أكثر منه كخالق للمعرفة. كما يلعب الصحفي وممثل الوسيلة الاعلامية دور الناقل الحرفي للأخبار أكثر منه ناقداً موضوعياُ لها. كما تختار بعض الوسائل الاعلامية أن تلعب دور حارس البوابة طواعية مما يكون سببا رئيسيا في تشويه التدفق الاعلامي. كما أن اختيار تزامن خاطئ لعملية بث الرسائل الاعلامية يجعل من نشاط العلاقات العامة مجرد عملية بث لجزر منعزلة من الأخبار

الصحفي: لماذا أخفقت الأحداث الخاصة في تحقيق الهدف منها على الرغم من ضخامة الموارد التي تم حشدها للدفاع عن قضايا مختلفة؟

مسئول العلاقات العامة: يمكن أن نعزو ذلك إلى أن منظمي هذه الأحداث يعملون على أجندتهم الخاصة وهي مجرد تنظيم الحدث وبالتالي فإن ضمانات استمرارية ما قد ينتج عن هذه الفعاليات من علاقات أعمال تكون ضعيفة للغاية، فتحولت إلى صناعة عروض تسويقية مملة أو أحاديث مرسلة لا يمكن تعميمها في مختلف مجالات الأعمال حتى لو نجح تطبيقها على مستوى منظمة أو قطاع ما من قطاعات الأعمال

إلى هنا عزيزي القارئ لا ينتهي الحوار بين المعرفة والأخبار، وليس علينا أن نضع كل موضوعاته بين يديك فعليك عزيزي المتخصص في العلاقات العامة أو الباحث في مجال الاعلام أو الصحفي أن تنظر إلى حقيقة وضع الممارسات التي تقدمها في الوقت الحالي وأن تبحث الأسس التي يمكنك على أساسها أن تطورها في المستقبل لتخلق نموذجك المعرفي الخاص بك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.