التنشئة الاعلامية.. الصحة النفسية لأبنائنا: كيف يتفاعل النشئ مع وسائل الاعلام دون الخضوع لسيطرتها؟

مقدمة

صورة من موقع جمعية دراسات تنمية الطفل الامريكية https://www.srcd.org/


عزيزى القارئ.. يناقش العدد الحالى من ” المجلة الرقمية للعلاقات العامة باللغة العربية” عددا من الموضوعات التى تمثل امتدادا لموضوعات متخصصة في مجال التنمية المستدامة، من أبرزها التنشئة الاعلامية وتأثير الصور الذهنية التى تبثها مختلف وسائل الاعلام على عقلية الأطفال والمراهقين.


ولا يمكن الحديث عن هذا الموضوع دون التطرق إلى تأثيرات المحتوى العنيف المشبع برسائل عنصرية سواء كانت دينية أو سياسية على تشكيل وعى النشئ بحيث لا يكونوا ضحية لجماعات الارهاب والتطرف أو ضحية للعنف الاجتماعي أو حتى فريسة لصراع الحضارات والأديان الذى لم يجلب لنا سوى الصراعات المسلحة والفتن بشتى أشكالها.


أتوجه بهذا العدد إلى فئة الأطفال والمراهقين هاتين الفئتين اللتين تعمل وسائل الاعلام المختلفة على تشكيل وعيهما بصورة مباشرة من خلال تصدير صور ذهنية وأنماط عقلية عن الشكل الذى ينبغى أن يكونوا عليه فى حياتهم مستقبلا.


كما أتوجه بها إلى كل أب وأم يرغبان في تعويد أبنائهما على تتبع المحتوى المنشور عبر مختلف وسائل الاعلام يعقلية ناقدة وألا يتعاملوا مع كل ما يتم نشره على أنها من الأمور المسلم بها، وإلى كل واعظ دينى يريد توصيل رسالته الدينية بشكل مبسط ودون تشدد إلى براعم المستقبل.


طبيعة المحتوى ومجالات البحوث:


تبدأ التنشئة الاعلامية للنشئ داخل الأسرة وفق المنظومة القيمية السائدة داخل محيط العائلة. وتختلف هذه المنظومة القيمية باختلاف محل الاقامة، ومستوى تعليم وثقافة الأبوين، ودخل الأسرة. وتفرض هذه المنظومة القيمية مبادئ وشكل التواصل بين أفراد الأسرة وعلاقتهم بالمجتمع المحلى الذى يسكنونه وعلاقات الأبناء بنظرائهم في المدرسة.


وتقوم التنشئة الاعلامية في سياقها الصحيح على تعليم النشئ أن حرية الفكر هى المكون الرئيسى للشخصية عبر المبدأ الثابت ” أنت حر مالم تضر”. وعليه فإن تجاهل الأسرة لحقيقة أن تعرض الطفل للمحتوى الضار الذى يكون نتيجته أن يقوم الطفل بتقليد حركات خطرة تجعله يلحق الضرر، سواء كان معنويا أو بدنيا، بنفسه أوبغيره يمثل بداية كافة أشكال العنف الاجتماعي وصولا إلى ارتكاب الجريمة والتطرف الدينى.


وتستهدف عملية التنشئة الاعلامية خلق عقلية ناقدة لدى الطفل تساعده على أن يكتشف الجوانب الضارة والجوانب الجيدة فى المحتوى الذى يتعامل معه من كلام مكتوب وصور وأغانى ومقاطع فيديو وألعاب وغيرها من التطبيقات التكنولوجية.


وتعد التنشئة الاعلامية بمثابة الضلع الثالث في مثلث منظومة قيم مؤسسة الأسرة الى جانب التربية الدينية والوطنية، واذا ما تم ادارة عملية توصيل رسائل هذا المزيج المتكامل إلى الطفل بشكل صحيح فإن ذلك سيسهم فى صقل شخصيته وتفجير طاقاته الابداعية ومساعدته على تحقيق التوازن النفسى والتفوق الدراسى.


وبالنظر إلى ما يتم تصديره للأطفال من محتوى اعلامي، في الفترة من سن 5 إلى 10 سنوات والتى تمثل مرحلة الطفولة وفقا للمحددات الموضوعة في الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية، من مثل وأخلاقيات قويمة ستجد أمامها تناقضا في المحتوى المقدم فى البرامج التى يتفاعل معها الطفل في هذه المرحلة والذى يميل في تلك السن إلى التقليد ومنها على سبيل المثال وليس الحصر:


أفلام كارتون عنيفة.
برامج عن أشخاص يقومون بحركات خطرة.
مسلسلات أطفال تقدم معلومات مغلوطه عن شخصيات وأحداث تاريخية.
تطبيقات وألعاب محمول عنيفة.
التعرض لمسلسلات وأفلام البالغين التى تصدر نماذج مشوهه ومنحرفة.
أخبار عن حروب وصراعات مسلحة وجرائم جماعية.


وتركز معظم البحوث المتخصصة في مجال الاعلام التربوى على دراسة أنماط تعرض الطفل للمحتوى الضار، وتستخدم فى ذلك مقاييس احصائية تميل في معظمها إلى التركيز على المحتوى المراد بحثه وفي البعض الأخر تتناول التأثيرات النفسية والاجتماعية التى قد تظهر على المبحوث وهو الطفل.


وعلى الرغم من تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تكنولوجيا انتاج المحتوى الاعلامي فسنجد أن البحوث الموجودة عن المحتوى والمواد المرغوب توصيلها إلى الطفل قد عفا عليها الدهر ولا تنتج في كثير من الأحوال الأثر المطلوب بالنسبة لخطط التنمية المستدامة.


كما وأن هذه البحوث لا تتطرق في كثير من الأحيان إلى الجوانب الاقتصادية التى ترتبط بانتاج هذا المحتوى، وطبيعة الجهات الممولة لعمليات انتاج المحتوى الموجه للطفل وذلك لتحقيق فهم أعمق للفكر المرتبط بالمحتوى الذى يتم انتاجه ومصدره، ولأى فئة عمريه موجه وهل يصلح لهذه الفئة العمرية أم لا، وهل يراعى المحتوى الجوانب المتعلقة بالنوع سواء كان ذكر أو أنثى اذا كان فيه ما يشير الى ذلك، أوالدين وغيرها من الاعتبارات.


التنشئة الاعلامية .. مؤسسة الأسرة والمدرسة ودور العبادة:


وللحد من التعرض لأثار المحتوى الاعلامي الضار هنا علينا أن نشير إلى أن مبادئ التنشئة الاعلامية يجب ادراجها ضمن المنظومة العامة لمؤسسة الأسرة، وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى أن المبادرات المتعلقة بالأسرة قد انحسر دورها كثيرا وأدى انحسار هذه المبادرات الى خلل كبير فى نظام الأسرة والمجتمع نعانى حاليا من اثاره.


وبالاضافة إلى ذلك يجب ادماج مناهج التنشئة الاعلامية ضمن المناهج الدراسية ضمن المواد المتعلقة بالتربية الدينية والوطنية التى أفضل أن يتم تدريسها فى المساجد والكنائس والمعابد بالاشتراك مع الجهات التربوية التى ستعمل على تصميم المحتوى المناسب لذلك، بشرط ألا يتحول الأب أو الأم فى المنزل أو الواعظ فى المسجد أو الكنيسة من لعب دور حارس البوابة إلى دور القامع للحرية بل أن يقوم بدور الموجه.


وتمثل عملية التوجيه حزمة متكاملة من الاجراءات يمكن من خلالها ارشاد الطفل إلى المحتوى المسموح به مع عدم معاقبته لتجاوز هذا القاعدة اذا لم يكن المحتوى مناسبا لمرحلته العمرية بل يكفى شرح الجوانب الخاطئة المتعلقة بهذا المحتوى بطريقة علمية بل ومكافأته أيضا اذا ما تعرض لمحتوى يمكن من خلاله تنمية مهاراته الابداعية.

الهجمات على دور العبادة.. دروس مستفادة:


يأتى هذا المقال امتدادا لما كتبته في مطلع العام من توقعات المحتوى لعام 2019 والذى أشرت فيه إلى أن الحاجة إلى محتوى ينبذ العنف هو مطلب لكل المؤمنين بالديانات السماوية الاسلام والمسيحية واليهودية وحتى الديانات الأرضية.


ويبدو أن مثل هذه النصائح لم تجدى كثيرا فى ظل تصاعد التيارات المتطرفة من هنا وهناك فاستهدف المتطرفون مسجدى استراليا. ثم تفجيرات كنائس سيريلانكا، ثم معبد الولايات المتحدة. وشاهدنا كيف وقف أبناء الديانات الثلاثة مشدوهين أمام مثل هذه الهجمات. إنهم يعرفون أنها حوادث لا يمكن تجنبها.

تتعانق الاديان فى مختلف المجتمعات ولا يفرقها الا الساسة


وأعتقد أن المسئول الأول عن ذلك هم رجال الدين أنفسهم الذين ظلوا لأزمنة طويلة يرسخون في أذهان أتباعهم أنهم دينهم هو الأحق بأن يتبع وأن المؤمنين من الديانات الأخرى ما هم الا كفار يبنغى قتلهم وهو أمر يخلو تماما من الانسانية.


اننا لم نجرب بعد فكرة التعايش السلمى الذى هو الأساس الحقيقى للانسانية. لم نجرب أن ندع طفلا مسلما ومسيحيا ويهوديا يعيشان إلى جنب وأن تنشأ بينهما صداقة حقيقية ليدركوا أنهم بشر وأن كل ما تروج له وسائل الاعلام هو محض أكاذيب ومجرد تجارة في النهاية تنتقل من دور العبادة إلى شاشات التليفزيون.


مؤشرات الحرية الدينية.. هل هناك حقيقة ورائها


يعد مؤشر الحريات الدينية الأمريكى هو الأبرز لكنه ليس الوحيد. يعتمد على مجموعة معايير وعادة ما تقبع فيه منطقة الشرق الأوسط وهى مهد الديانات السماوية في ذيل القائمة. وتتجاهل مثل هذه المؤشرات كيف عملت الجهود الاستعمارية التى ضربت المنطقة من أجل استنزاف خيراتها على اذكاء روح الطائفية حتى بين أبناء الدين الواحد.


وكانت هذه المؤشرات مبنية على صور ذهنية مصطنعة مبنية في النهاية على مفاهيم مثل صراع الحضارات، والأديان انتهاءا بالاسلاموفوبيا. لكن بالنسبة للقارئ المطلع لن يجد هذه المؤشرات ذات قيمة اذ يعرف الجميع أن هناك تجربة نشأت في اسبانيا (الاندلس) على أيدى المسلمين نجحت فى تحقيق التعايش السلمي بين أبناء الديانات الثلاثة فقد كان مستشارو حكامها والوزراء من اليهود والمسيحيين.


بالفعل يجب أن تتذيل المنطقة العربية هذه القائمة لأنكم من خلقتوا منها ساحة لحروبكم وأطماعكم وجعلتم منها بؤرة خصبة تصدر الارهاب الذى يكتوى به العالم بأسره. وكيف لى كقارئ أن أثق في مؤشراتكم تلك وأنا أعرف حقيقة ودوافع من صنعها والنتائج المطلوب أن تتحقق من ورائها. المزيد من التقسيم.


القصة ببساطة أنها عقدة الاستعلاء الوهمية التى يمارسها مؤيدو الفكر الاستعمارى فى مقابل جهود فكرية مشتتة من أبناء منطقة تقسمها الحدود السياسية والدينية الوهمية وتستعر بالحروب والصراعات المسلحة والسياسية التى تأكل الأخضر واليابس.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.