سردية مختلفة عن وسائل الإعلام و«الانتقال العادل» في التحول البيئي

نقلاً عن مجلة «سوشيال يوروب».

ناتالي بينيت

ترجمة- جلال حموده

تم النشر بموقع “تايمز أوف إيجيبت”

* الكاتبة عضو في مجلس اللوردات البريطاني عن حزب الخضر. وكانت زعيمة حزب الخضر في إنجلترا وويلز في الفترة من 2012 إلى 2016، كما شغلت منصب رئيسة تحرير صحيفة «الجارديان ويكلي» من 2007 إلى 2011.

تركز مناقشة الأخبار المزيفة – غالباً – على وسائل التواصل الاجتماعي.. على التدخل الروسي وبرامج الروبوت على «تويتر»؛ اعتماداَ على مصادر سرية مغرضة. ويتجاهل ذلك الافتراض «الأخبار المزيفة».. المختبئة على مرمى البصر؛ حيث يتم النشر الكاذب – بوضوح – للأخبار في وسائل الإعلام المعروفة.. المنتشرة، والتهويل في التقارير بدقة، تلبية لأهواء مصالح أصحاب المؤسسات الإعلامية وأصدقائهم. كما أن هناك تحيزات تنبع من ردود أفعال غير واعية.. من جانب الصحفيين أنفسهم، تتسرب.. ولا تخضع لتقييم موضوعي.

قامت صحيفة «نيويورك تايمز» المحترمة – مؤخراً – بتحليل «كيفية يؤثر أجهزة الإعلام المملوكة للملياردير روبرت ميٍردوخ.. في الجدل حول حرائق الغابات في أستراليا»؛ مشيرة إلى التقليل من خطورة الحرائق.. وطبيعتها غير المسبوقة، في لفتة إلى أنها «حالة طوارئ متعمدة»، بدلاً من كونها «حالة طوارئ مناخية».. مما كان سبباَ لتوجيه اللوم للصحيفة. وكانت هذه حالة غير معتادة.. لعملية نشر تخرق «ميثاقاً احترافياً» غير مكتوب.. بعدم انتقاد الزملاء.

وغالبا ما تسهل النظرة الهادئة والمستنيرة، التعرف على مثل هذه الأكاذيب.. وكذلك يتم فضحها – عموماً – من قبَل القراء الناقدين. ومع ذلك، يصعب التعرف على الروايات الأساسية الأكثر رواجاً، والمبنية على المفاهيم الخاطئة.

الفقراء سيدفعون

تفترض إحدى هذه الروايات.. أن الإجراءات اللازمة للتصدي لحالة الطوارئ المناخية والكوارث الطبيعية الناجمة عنها، وخفض انبعاثات الكربون.. واستهلاك مواردنا، يجب أن تأتي على حساب نوعية حياتنا. وتشير إلى أن هذه التدابير.. ستؤثر سلباً على حياة الفقراء والضعفاء؛ خاصة المجتمعات التي تعتمد حالياً على الوقود الأحفوري، والصناعات التعدينية والثقيلة. ويمكن تسمية ما يعنيه هذا الافتراض.. بمفهوم أن «الفقراء يدفعون الثمن».

وجهة النظر المضادة.. هي أنه من الممكن أن يكون هناك «انتقال عادل»، من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة. ومن الاستعمال المفرط لمواد استهلاكية.. إلى الإنتاج الرشيد لمنتجات جيدة، ومن تصنيع الأسلحة.. إلى توفير السلع المفيدة اجتماعياً، ومن عدم الأمان بالنسبة لتعاقدات العمل صفرية الساعات المؤقتة.. إلى تأمين دخل العمال على المستوى العالمي.

أطروحة «الفقراء سوف يدفعون الثمن» ليست في فئة «الأخبار المزيفة». تتمتع فمنطقة جنوب يوركشاير – التي أعيش فيها في انجلترا – وهي منطقة تقليدية اشتهرت بإنتاج الفحم والصلب، تعيش خبرة مريرة؛ تتعلق بما يمكن للتغير الهيكلي الكبير في الاقتصاد (الإغلاق المتعمد لصناعاتها التقليدية.. مدفوعاً بالأيديولوجيا الليبرالية الجديدة) أن يحدث من دمار واندثار بالغين، في حياة التجمعات السكانية هناك.

ومع ذلك، فإنه يعتمد على افتراض أعمق؛ مضمونه أن النهج السياسي والاقتصادي اللذين استمرا خلال العقود الأربعة الماضية – على مسار الليبرالية الجديدة – سيتواصلان، وأن هيمنة الشركات متعددة الجنسيات والقطاع المالي.. كانت وستظل محتومة، بدلاً من أن يكون التغيير ناتجا عن خيارات سياسية.. يمكن تنفيذها بشكل مختلف.

أطروحة «الفقراء سوف يدفعون».. غير صحيحة بشكل واضح، وهي بالتأكيد عرضة للتغيير من خلال نضال الفقراء المتضررين؛ الذين يلقى الأغنياء عبء تكلفة التغيير على عاتقهم. تتردد مزاعم – في بعض الأحيان – بأن الاضطرابات المستمرة في فرنسا، بدأت كمقاومة للتدابير «الخضراء» – للحفاظ على البيئة – في شكل ضرائب على الوقود.

ولكن هناك أدلة كثيرة – بما في ذلك في رد فعل الرئيس إيمانويل ماكرون – أنه كان ضد إسقاط الضرائب على الأثرياء. فقد كان ذلك دليلا على أن غياب العدالة الاجتماعية كان هو الدافع، وتحددت الحقيقة في أن الأغنياء يستمتعون بحياتهم دون مقابل، بينما الفقراء يدفعون الثمن مرات متكررة )فقبل اللجوء لخيار خفض استخدام الوقود بفرض ضرائب عليه، أدت سياسات التقشف إلى خفض خدمات النقل العام البديلة، التي يستخدمها الفقراء).

ما هي الاخبار؟

لا يعتبر غموض نهج تغطية وسائل الإعلام.. هو التحدي الوحيد أمام إمكانية الانتقال العادل، إلى وقود أكثر كفاءة في المحافظة على البيئة. فهناك عائق احترافي عملي آخر، وهو الاعتقاد بأن الأخبار تدور حول الصراع والفشل.. والألم والمعاناة.

إن تأثير البطالة في مجتمعات «الصدأ» (الاقتصاد التقليدي)، ووباء الأفيون الأمريكي المرتبط به، يوفر قصصا «أكثر تشويقاَ»، من حيث القيم الإخبارية التقليدية، بدلاً من الافتتاح الناجح لمصنع توربيني جديد، أو مزرعة ضخمة للرياح البحرية؛ الأخبار السابقة تذهب للصفحة الأولى.. أو لديها انتشار كبير في مجلة عطلة نهاية الأسبوع، وربما يذهب الأخير أسفل صفحة داخلية.. في قسم الأعمال، في أعماق الصحيفة. إن التفكير في إعداد التقارير.. والنشر.. والتثقيف.. بشأن الانتقال العادل، يعني أيضاً التفكير في تصنيفنا للأخبار، وكيف يمكننا تسليط الضوء على الأخبار الجيدة وقصص النجاح.

لن تتغير الصحافة – كمهنة – بشكل مفاجئ، أو تقييم أخبار المحررين، على الرغم من أننا نستطيع تسليط الضوء على هذه القضايا.. ومواصلة الحملات على تحيزها. ولكن هناك أشياء أخرى يمكننا القيام بها.

من بين الوسائل التصحيحية الحاسمة لمواجهة الروايات السائدة – بما في ذلك «الفقراء سوف يدفعون» – تنوع وسائل الإعلام. هناك مجموعة من الأصوات – المتنوعة أصلاً – ستشجع.. على الأقل، في تقديم نهج مختلف، وسرديات واستنتاجات جديدة؛ على الأقل طرح الأسئلة، والتنافس على فهم الجمهور.. واجتذاب اهتمامه. هذا هو السبب في التأكيد على أن إصلاح ملكية وسائل الإعلام.. أمر حاسم بالنسبة لديمقراطياتنا. وفي هذا السياق، يعتبر وضع المملكة المتحدة هو الأسوأ، لكنها مشكلة في جميع أنحاء أوروبا وخارجها.

هناك أيضاً إمكانات هائلة في تنامي منصات «التواصل الاجتماعي». فوسائل الإعلام التقليدية تفقد أهميتها بشكل يومي، خاصة في أوساط الشباب. فكل إنسان الآن – على الأقل – صحفي محتمل، ويمكنه نشر الأخبار من خلال الأداة الموجودة في كل مكان.. الهاتف المحمول. إن تشجيع الناس ودعمهم للقيام بذلك، خاصة أولئك الذين من غير المرجح أن تُسمع أصواتهم.. وتمثيلهم – بشكل عادل – في وسائل الإعلام الرئيسية، هو أمر حاسم في نشر رسالة الانتقال العادل.

الثقافة الإعلامية

لكن هذا غير كافٍ، وسيكون له تأثير محدود على أي حال، ويبدو أن تحسين جودة وفاعلية ديمقراطيتنا، يكتسب أهمية بالغة في سياق تغيير كيفية عمل وسائل الإعلام. ويتمثل أحد العوامل الحاسمة في تعزيز الانتقال العادل، في الاجتهاد لتطوير جهود محو الأمية الإعلامية في مجتمعاتنا، وتحسين قدرة الجمهور على استيعاب المعلومات بشكل أفضل، وتبين التحيزات والأكاذيب والفجوات.

حاولت مؤسسة «أوبن سوسايتي» – مؤخراً – رسم هذا. وسيكون من المفاجئ أن يعلم الكثيرون أن فنلندا احتلت المرتبة الأولى في مؤشر محو الأمية الإعلامية؛ بفضل نظامها التعليمي.. الذي يحظى بالإعجاب على نطاق واسع، ويسعى صراحة إلى تعليم هذه المهارة الحاسمة.

ويجب ألا تقتصر هذه العملية على التعليم الرسمي، فقد اكتشف الشباب.. الذين نظموا إضرابات المناخ في جميع أنحاء العالم – إلى حد كبير من تلقاء أنفسهم – زيف وعدم كفاية الرؤية – المقدمة ممن يكبرونهم – للعالم. ونجح هؤلاء الشباب بأنفسهم.. في تطوير تحليل مدروس للتغيرات التي يتعين إجراؤها.

المشكلة هنا، أننا نتعامل مع الرؤى المتناقضة – النزيهة والمغرضة – على قدم المساواة.. في معالجتنا لهذه الكارثة البيئية، وهذا يعكس فشل النظم الحالية.. في تقديم عالم متضامن وقادر على البقاء. لكن الحال يبعث الأمل في النفوس، فالشباب لن يبتلعوا الروايات القديمة الفاشلة، ولكنهم يطالبون برؤى جديدة – ويصنعونها – بشأن الانتقال العادل لمجتمع بيئي.. يحافظ على مستقبل حياتنا، وهو ما علينا جميعاً العمل أجله.

واستمراراً لسلسلة «الانتقال العادل».. يتحمل الإعلام مسؤولية أخلاقية، لتعزيز التفاهم المجتمعي العام.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.