الاستثمار في الطفل.. سبيل القضاء على الفقر

يلخص المقال خلاصة حوارات مع المهتمين بقضية الفقر على مستوى العالم، يتضمن نقاط تقرير قدمه المؤلف إلى «الجمعية العامة للأمم المتحدة» حول قضية الفقر باعتبارها من القضايا المُلِحة

أوليفييه دي شتر، المُقرِر الخاص بالأمم المتحدة بقضايا الفقر وحقوق الإنسان، نقلا عن موقع سوشيال يوروب

«الأطفال الفقراء.. محرومون من طفولتهم»، تلك كانت مقولة لامرأة من حي مهمش في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في حوار نظمته «إيه. تي. دي. – فورث وورلد»؛ وهي مؤسسة غير ربحية، أسسها جوزيف فريزنسكي عام 1975، وتمثل حركة تضامن عالمي لدعم العائلات المهمشة

وقالت امرأة أخرى من لوكسمبورج: «نصبح بالغين مبكراً». في الأسر ذات الدخل المنخفض، يبدأ الأطفال العمل مبكراً، وغالباً ما يتحملون مسؤوليات ثقيلة في سن صغيرة.. في وقت يجب أن تكون فيه الأيام للتعلم، واللعب، والأحلام

تزيد احتمالات أن يعيش الأطفال – المولودون في الأسر الأقل حظاً – في فقر عندما يكبرون. وكشفت دراسة في الولايات المتحدة، عن أن الأطفال الذين عانوا من الفقر في أي مرحلة أثناء الطفولة، كانوا أكثر عرضة بثلاث مرات.. لأن يكونوا فقراء في سن الثلاثين من أولئك الذين لم يكونوا فقراء. ووجدت الدراسة أنه كلما طالت مدة بقاء الطفل في حالة فقر، زاد خطر أن يكون فقيراً في مرحلة البلوغ

وإذا كان استمرار الفقر يضرب بجذوره بشكل كبير.. في البلدان الغنية، فهو أكثر إثارة للقلق في العالم النامي. تُظهِر دراسة أجرتها «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» أنه في بلدان الشمال الأوروبي، سوف يستغرق الأمر أربعة أجيال – على الأقل – لمن ولدوا في أسر منخفضة الدخل، للوصول إلى مستوى الدخل المتوسط في مجتمعاتهم؛ في الوقت الذي سيستغرق هذا ما يصل إلى تسعة أجيال – أو حتى أكثر – في البلدان الناشئة، مثل البرازيل، وكولومبيا، وجنوب أفريقيا

تأثيرات عميقة

للفقر آثار عميقة على الأطفال؛ على صحتهم، ونموهم العاطفي، وفرصهم في الوصول إلى التعليم العالي. ويحذر أخصائيو الصحة العامة من أن البالغين الذين عاينوا الفقر في مرحلة مبكرة أثناء الطفولة، معرضون بشكل أكبر لخطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، أو الالتهاب المزمن، بسبب الإجهاد الذي تعاني منه أسرهم

في إنجلترا، يبلغ الفرق المتوقع في متوسط العمر بين قطاعات الأطفال: الأغنى والأفقر – المولودين بين عامي 2014 و2016 – حوالي 9.3 سنوات للذكور، و7.3 للإناث.  وبين أولئك المولودين بين عامي 2003 و2018، كانت واحدة.. من كل ثلاث حالات وفاة مبكرة، ترجع إلى فقر الأحياء السكنية؛ بمعنى أنه إذا كان لدى الجميع.. نفس خطر الوفاة.. مثل أولئك ذوي الدخل المرتفع، لكان من الممكن منع ما يقرب من 900 ألف حالة وفاة مبكرة.. في إنجلترا

ولأن الفقر يؤثر على الأطفال بأشكال مختلفة. فإن احتمالات أن يعيشوا وهم بالغون في فقر مدقع ومتعدد الأبعاد.. تتضاعف

وقبل الجائحة، قدَّر «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي».. أن نصف من يعيشون في فقر، في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، تقل أعمارهم عن 18 عاماً. وأفادت دراسة أخرى، أن طفلاً واحداً من بين كل سبعة أطفال.. في دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» يعيش في أسرة فقيرة، وأن أعدادهم كانت في ازدياد؛ مما يسلط الضوء على زيادة حالة التباين 

وبالإضافة إلى ذلك، أدى الوباء إلى تفاقم المشكلة. فـ «منظمة الأمم المتحدة للطفولة»، و«صندوق الأمم المتحدة للطفولة»، ومنظمة «أنقذوا الأطفال» البريطانية – التي تأسست عام في 15 أبريل 1919 بلندن لتحسين الأوضاع المعيشية للأطفال عبر دعم التعليم، وفرص الاقتصاد، والاهتمام بالصحة – جميعها تُقدر  أن 1.2 مليار طفل في جميع أنحاء العالم، يعانون الآن من فقر متعدد الأبعاد، ومحرومون في مجالات محورية؛ مثل التغذية، والصحة، والإسكان، والتعليم، وهي زيادة بنسبة 15 في المئة.. منذ بداية أزمة «كوفيد-19». وفي بلد غني نسبياً.. مثل المملكة المتحدة، يعيش ثلث الأطفال الآن.. تحت خط الفقر، الذي يُعرَّف بأنهم يعيشون في أسرة، تحصل على أقل من 60 في المئة.. من متوسط الدخل

حلول كثيرة 

يتعين على المجتمعات.. ألا تتعامل مع الأجيال الناشئة بهذه الطريقة. فأولئك الذين يعانون من الفقر – أنفسهم – يقترحون العديد من الحلول؛ ابتداءً من رعاية الطفل.. إلى دعم الوالدين. وفي حوار حول استمرار الفقر، قالت امرأة من بوليفيا:

«أعتقد أنه سيكون من الجيد – على سبيل المثال – إنشاء مركز رعاية للأطفال.. تديره الدولة، ويحظون فيه بالترحيب. فلا توجد أماكن يتلقى أطفالنا الرعاية فيها، اللهم إلا رعاية نهارية.. لساعات عمل محدودة، مدفوعة الأجر. ونحن نغادر منازلنا للعمل في الصباح، لنعود في الليل. وفي بعض الأحيان، نعمل 24 ساعة في اليوم»

وإذا توفرت رعاية الأطفال بتكلفة ميسرة، مما يسهل الحصول عليها، فإن ذلك يزيد من فرص عمل المرأة، ومن ثم قدرة الأسر.. على تحسين مستوى معيشتهم، وبالتالي الالتزام بتعليمهم. وكذلك فإن استحقاقات الأمومة، تؤدي إلى قضاء الأمهات مزيدا من الوقت مع الأطفال حديثي الولادة، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات التسرب من المدارس بنسبة 3 في المئة، وزيادة في الأجور بنسبة 5 في المئة بحلول سن الـ 30

ومن الممكن إنقاذ الأطفال من سلبيات الفقر على حياتهم، مع إبقائهم في أحضان أسرهم. وحتى لو كانت ضغوط حالة الفقر، ذات تأثيرات شديدة على الأسرة، وأكثر قسوة على الطفل؛ بما في ذلك قصور في نمو الدماغ، فهذه ليست نهاية المطاف.. ويمكن عكسها. فقد أظهر أطباء الأطفال، أن البرامج التي تدعم مشاركة الوالدين، وتحسن مستوى العلاقات الصحية بينهما، يمكن أن تخفف – بشكل فعال – ضغوط الفقر المزمنة

الاستثمار في الطفولة

إن الاستثمار في الطفولة المبكرة، ليس مجرد طريقة لطيفة.. نحرص من خلالها على الترحيب بمواليد جدد إلى هذا العالم. وإنما يعزز قوة المجتمع واحتمالات تحسن أحواله، فقد أشار خبير الاقتصاد الصحي «مارتن ناب»، إلى أن مثل هذا الاستثمار، يلعب دورا وقائيا، ويقلل من الحاجة إلى الإنفاق الاجتماعي المُكلِف، لمعالجة الآثار السلبية لغياب هذا الاستثمار. وبعد أن تتبَّع مجموعات المواليد.. في المملكة المتحدة في أعوام 1946 و1958 و1970، رأى أن الضرر الناجم عن عدم علاج اعتلال الصحة العقلية لهذه المجموعات، استمر طوال حياتهم، وأن «برامج مثل مخططات مكافحة التنمر في المدارس، تمثل – في حد ذاتها – إنفاقاً بمعدل 120 ضعفاً»، لأي استثمار استباقي كان يمكن تخصيصه

وكذلك فإن الخبير الاقتصادي «جيمس هيكمان»، يؤكد ضرورة البدء في وقت مبكر؛ «لأن البدء في سن الثالثة أو الرابعة.. يُعد متأخراً للغاية، لأنه يفشل في إدراك أن المهارات تولد المهارات.. بطريقة تكميلية وحركية. ويجب تركيز الجهود على السنوات الأولى، لتحقيق أكبر قدر من الكفاءة والفاعلية. فأفضل استثمار.. هو في تنمية الطفولة المبكرة.. الجيدة – منذ الولادة.. وحتى سن الخامسة – للأطفال المحرومين وأسرهم»

وتمت مكافأة جهوده الدؤوبة.. لإظهار عوائد الاستثمار – في التعليم والرعاية – في مرحلة الطفولة المبكرة.. بـ«جائزة نوبل»

وبالنسبة للمنظمات التي تكافح الفقر، فإن هذا يعني تغييراً جذرياً في العقلية. حيث «يجب أن يسمح المجتمع للأطفال بتنمية قدراتهم، والسماح للفقراء بتقديم أفضل ما لديهم. ولكي يحدث ذلك، نحتاج إلى أن يغير المجتمع منظوره.. تجاه الأشخاص الذين يعانون من الفقر»، طبقاً لما ذكرته سيدة من جواتيمالا خلال حوار «إيه تي دي فورث وورلد»

فدعم الأطفال في سن مبكرة.. له فوائد على مستويات عدة؛ لأنه يخلق مجتمعاً أقوى.. مع تعليم أفضل وصحة أفضل، وازدهارا مشتركا.. على نطاق أوسع

وإذا كنا جادين.. في كسر حلقة الفقر، فعلينا أن نبدأ بالاستثمار في الأطفال

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.