فن إدارة حروب “الثورة الصناعية الرابعة”

مقال منشور على موقع # تايمز_أوف_إيجيبت

لا تخلو القواميس العسكرية – المعتمدة دولياً – من مصطلحات خاصة بـ”الحرب النفسية”؛ باعتبار أن الروح المعنوية(Morale)  تمثل ركيزة مهمة.. في التعامل مع أساليب إساءة استخدام المعلومات، أو التلاعب العاطفي بها من قبل “خصم لدود”.

وقد تنبهت الدول – منذ الحرب العالمية الأولي (1914-1918) – إلى أهمية الحرب النفسية في ترجيح كفة المنتصر، حيث كتب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (وأحد أهم القيادات في الحرب العالمية الثانية) ونستون تشرشل في مذكراته، أن “الحرب العالمية الأولي كانت حرب شعوب.. لا حكومات”، وأنه “في اجتماعات قادة الحرب في باريس، كانت التيارات العنيفة تتجاذبهم من كل صوب. فقد ولَت أيام معاهدات أوترخت وفيينا، عندما كان الساسة – والدبلوماسيون، والأرستقراطيون – سواء كانوا من الفريق المنتصر أو المهزوم؛ يجتمعون ليدخلوا في نقاش لطيف مهذب، بعيداً عن هتافات الديمقراطية وصخبها، كي يتوصلوا – بالنتيجة – لوضع أنظمة لا خلاف حولها.. في الأساس”.

كانت أساليب الحرب النفسية – وقتئذ – بسيطة، تتلخص في إلقاء المنشورات.. للسخرية من القدرات القتالية للعدو، وإضعاف معنويات جنوده، وتحفيزهم على الفرار من الجندية، وحثهم على الإستسلام.

وخلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، تغيرت معايير الحرب النفسية والدعائية.. مع اختراع الراديو.. وما نتج عنه من ظهور الإذاعات الموجهة، التي إستمر عملها خلال الحرب، وحتى مع “الحرب الباردة”. وبرزت أساليب “جوبلز” الدعائية من جانب ألمانيا النازية؛ لتصبح مرجعاً موثقاً في دراسة الدعاية السوداء، ولتضرب مثالاً جلياً.. على ما يمكن أن يؤدي إليه التعصب القومي، من كوراث عالمية.

لم تكن مصر بعيدة عن أتون هذه المعارك الإعلامية؛ خاصة خلال مرحلة الحرب الباردة، رغم نزوع الرئيس جمال عبد الناصر إلى خيار “عدم الانحياز” الذي فشل بسبب أساليب الاستعمار الجديد الملتوية، ووجود أذرع خبيثة لعدو قوي في المنطقة. في تلك الفترة اعتمدت مصر قدرات إعلامية متواضعة، مع التورط في استخدام خاطئ لهذه القدرات في بعض الأحيان؛ وهو ما اتضح في ظروف “نكسة 1967″، مما أدى لانهيار ثقة المواطن في إعلام الدولة في تلك الحقبة. واستمرت حالة فقدان الثقة تلك.. إلى ما يزيد عن أربعة عقود.

تغير المشهد كثيراً عقب إنتهاء الحرب الباردة، وسيطرة “القطبية الأحادية” للولايات المتحدة الأمريكية، حتى جاءت أحداث 11 سبتمبر2001، لتكشف نمطاً أخر من الحروب الدعائية، أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، في سياق مسمى “الحرب على الإرهاب”. وظفت فيها الولايات المتحدة قدراتها الإعلامية – بما فيها ما أسمته “الدبلوماسية العامة” – للتحذير الرسمي من “صراع الحضارات”، و”الإرهاب الإسلامي المتعصب” ثم الترويج لـ”الفوضى الخلاقة”. غير جوهر التضليل وترويج الوهم لم يغب كثيرا عن أذهان الكثيرين؛ خاصة بعد أن انتهت الأمور باحتلال أفغانستان ثم العراق، وما ترتب على ذلك من خسائر فادحة.

http://sipseystreetirregulars.blogspot.com/2009/02/praxis-fourth-generation-warfare-not.html

وفيما بين انتهاء الحرب الباردة.. وأحداث 11 سبتمبر، حدثت طفرة كبيرة في نظم الاتصال، مع تنامي بنية شبكة الإنترنت واستخداماتها، فتغير وجه العالم بأسره. وأصبح مفهوم القرية الكونية الصغيرة أو “العولمة” واقعا ملموسا. لكن بزوغ الصين كقوة عالمية كبرى، وعودة روسيا للعب دور الدولة العظمى، وتعاظم موقف الاتحاد الأوروبي – على الأقل في الجانب الاقتصادي – وكذلك الحال بالنسبة للصين والبرازيل، وتأسيس مجموعة “بريكس”، مع انحسار القوة الأمريكية نسبيا، خلق حالة من “تعددية الأقطاب”؛ بظهور هذه الكيانات الكبيرة الجديدة. ومن ثم تسرع البعض.. متوقعين أن هذا التوجه قد يخدم هدف مجابهة “أحادية القطب” الأمريكي ويخلق التوازن المنشود على المستوى الدولي. لكن هذا لم يحدث، فانحسار القوة العظمى الأمريكية قد يستغرق قرنا من الزمن، يتعزز خلاله – على الجانب الآخر – نفوذ الأقطاب الجديدة، ويحذ التغير بشكل تدريجي. فالنظام الدولي حالة وجودية من علاقات تتسم بالحيوية، ولا تعرف الاستدامة الجامدة.

وفي ظروف ما يسمى الآن بـ”ثورات الربيع العربي” – التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط – لعبت وسائل التواصل الاجتماعي في تحريك “الكتلة الحرجة”، واستغلتها أطراف مستفيدة – ولديها مخططاتها – في بث رسائل تحرض على الثورة؛ مستفيدة من أوجه القصور في حكم النظم العربية.. وظلمها.. وقمعها للمبادرات والحريات. فأصبحنا نواجه حرباً من نوع جديد، تدور رحاها في مراكز للفكر، ممولة من أصحاب مصالح، بهدف التأثير على توجهات الشعوب العربية.. والضغط على حكوماتها، لتجعلها أكثر طواعية لمخططات أصحاب المصالح المشبوهة.

وتستهدف هذه الحروب شرائح بعينها – أغلبها من الفقراء والمهمشين – تداعبهم بمبادئ سياسية مطاطة مثل الديمقراطية والحرية.. وتبشرهم – وهما – برغد العيش. وإن لم تفلح هذه الحيلة، فمن الممكن السيطرة عليهم بتوظيف الدين.. والأخلاق.. والخرافات. ويتم بهدف ضرب المعتقدات الراسخة، وصولاَ إلى مرحلة التدمير الذاتي. وكانت النتيجة حالة دمار غير مسبوقة، في العديد من البلدان العربية، ونشاط مكثف للتنظيمات الإرهابية والأصولية المتشددة.

في هذا السياق، تظهر مخاطر غياب مفهوم “الدولة القومية” في أذهان المواطنين، فتزيد أعباء صانع القرار. كما تنكشف أوجه قصور الممارسة الإعلامية، في مواجهة عمليات ترويج للأخبار والشائعات، تأخذ شكل نسق قتالي معين؛ يأخذ بعضها شكل العملية المفاجئة Surprise action، أو عملية الإزعاج Harassing action، أو نصب كمائن Ambush، أو الهجمات المتكررة.

هنا يلعب الوعي السياسي-الإعلامي دورا في ممارسة الطرح الإعلامي.. على المستويين القومي والدولي، حيث يتعين وضع الأمور في نصابها الصحيح أمام المواطنين، وقادة الدول، وزعماء العالم.. على السواء.  وكذلك الأفهام من شوائب ارتبطت بممارسات أخرى خاطئة لأعوام طويلة، ضييقت فيها الحكومات الخناق على حرية الرأي، ومارس فيها الشعوب انتحارا بالتدمير الذاتي. فلم يصلُح حال المؤسسات.. ولا الأفراد.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.